لبنان من الدولة الواحدة إلى خرائط النفوذ الأربع.. فأين مصلحة الشيعة؟!
مع قرب الإعلان عن مذكرة تفاهم أميركية - إيرانية يُفترض أن تتناول إنهاء المواجهات على مختلف الجبهات المرتبطة بالصراع الإقليمي، ومنها الساحة اللبنانية، يثير توقيت التصعيد الإسرائيلي تساؤلات عما إذا كانت حكومة بنيامين نتنياهو تسعى إلى تحويل إنجازاتها العسكرية إلى حقائق جغرافية دائمة، بما يسمح بتوسيع ما بات يُعرف بـالمنطقة التجريبية من جنوب الليطاني إلى مناطق أوسع تمتد نحو النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان.
في هذا السياق، تدخل الحرب في جنوب لبنان مرحلة جديدة، إذ يبدو أن التوسع الإسرائيلي الأخير شمال نهر الليطاني يشكل محاولة استباقية لفرض معادلات جديدة على الأرض قبل تبلور أي تفاهمات إقليمية قد تفضي إلى وقف الحرب.
تراهن إسرائيل على فرض وقائع ميدانية تجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية تنطلق من خرائط جديدة، لا من حدود الاشتباك السابقة. فكلما توسعت مساحة السيطرة العسكرية، ارتفعت قدرة تل أبيب على فرض شروطها خلال المفاوضات المرتقبة، سواء لجهة انتشار الجيش اللبناني أو لجهة مستقبل الوجود العسكري لـ«حزب الله» جنوباً.
في المقابل، يجد "حزب الله" نفسه أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يراهن على أن التفاهم الأميركي - الإيراني قد يفتح الباب أمام وقف العمليات العسكرية ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه السياسية والشعبية، ومن جهة أخرى، يواجه واقعاً ميدانياً صعباً فرضته الحرب، مع خسائر كبيرة في بنيته العسكرية وفي المناطق التي كانت تشكل عمقه العملياتي جنوب الليطاني.
لكن المعضلة الأساسية تبقى أن وقف إطلاق النار لا يعني تلقائياً انتهاء الحرب. فتثبيت الهدوء يحتاج إلى تفاهمات أمنية واضحة تتناول انتشار الجيش ، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل سلاح حزب الله، وآليات منع تجدد المواجهة. لذلك، فإن أي مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، مهما بلغت أهميتها، لن تكون سوى خطوة أولى على طريق طويل ومعقد من التفاوض.
من هنا تكتسب الجولة الخامسة المرتقبة من المفاوضات أهمية استثنائية، إذ ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الانتقال من موقع الوسيط المراقب إلى موقع الضامن القادر على إلزام الأطراف بتفاهمات قابلة للحياة. كما ستحدد ما إذا كانت الحرب تتجه فعلاً نحو نهايتها، أم أن الجنوب سيبقى تحت الاحتلال.
وتشير أوساط أميركية إلى وجود سياسة أميركية جديدة تجاه لبنان تتكرس بالتوازي مع مسار المفاوضات. فالمساعدات الأميركية للبنان تتراجع عاماً بعد عام؛ إذ لا مساعدات اقتصادية مرتقبة، كما جُمّدت المساعدات العسكرية التي كانت تقدمها وزارة الخارجية الأميركية، والتي كانت تُقدّر بنحو 140 مليون دولار سنوياً.
أما المساعدات المخصصة للجيش فستأتي من وزارة الدفاع الأميركية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، بقيمة تبلغ نحو 36 مليون دولار، وهو انخفاض حاد مقارنة بالسنوات السابقة التي تراوحت فيها المساعدات بين 100 و200 مليون دولار. واللافت أن هذه المساعدات ستخصص بصورة أساسية لأغراض لوجستية وتدريبية وتجهيزات اتصالات ودعم مادي، وسيذهب الجزء الأكبر منها إلى ثلاثة ألوية نخبوية هي: المغاوير، والمجوقل، ومغاوير البحر. وهذه الوحدات منتشرة في المناطق الممتدة من طريق الشام حتى مداخل الشمال.
في هذا المشهد، لا تظهر الدولة وحزب الله كطرفين متكاملين داخل إطار وطني واحد، بل كركيزتين لكيان سياسي جديد قيد التشكل. ووفق هذا التصور، يقترب لبنان تدريجياً من نموذج شبيه بالوضع الذي نشأ في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد اتفاق أوسلو، حيث تتوزع السلطات والاختصاصات وفق خرائط نفوذ مختلفة، لا وفق مبدأ السيادة الواحدة.
- شارك الخبر:
